محمد بن جرير الطبري

31

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس لأهل رحمه إلا قد أتيتها إليهم وأفضل من ذلك ، فقال النبي : ارجع إلى أهلك فأحسن إليهم ، أسأل الله الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم ، وأن يجمعكم على مرضاته ، ويجنبكم سخطه ؛ فقال الملك من عنده ، فلبث أياما وقد نزل بختنصر وجنوده حول بيت المقدس ، ومعه خلائق من قومه كأمثال الجراد ، ففزع منهم بنو إسرائيل فزعا شديدا ، وشق ذلك على ملك بني إسرائيل ، فدعا إرميا ، فقال : يا نبي الله أين ما وعدك الله ؟ فقال : إني بربي واثق . ثم إن الملك أقبل إلى إرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك ويستبشر بنصر ربه الذي وعده ، فقعد بين يديه فقال له إرميا : من أنت ؟ قال : أنا الذي كنت آتيتك في شأن أهلي مرتين ، فقال له النبي : أو لم يأن لهم أن يمتنعوا من الذي هم فيه مقيمون عليه ؟ فقال له الملك : يا نبي الله ، كل شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم كنت أصبر عليه ، وأعلم أن مأربهم في ذلك سخطي ؛ فلما أتيتهم اليوم رأيتهم في عمل لا يرضي الله ولا يحبه الله عز وجل . فقال له نبي الله : على أي عمل رأيتهم ؟ قال : يا نبي الله رأيتهم على عمل عظيم من سخط الله ، فلو كانوا على مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتد عليهم غضبي ، وصبرت لهم ورجوتهم ، ولكن غضبت اليوم لله ولك ، فأتيتك لأخبرك خبرهم ، وإني أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلا ما دعوت عليهم ربك أن يهلكهم ؛ فقال إرميا : يا مالك السماوات والأرض ، إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم . فما خرجت الكلمة من في إرميا حتى أرسل الله صاعقة من السماء في بيت المقدس ، فالتهب مكان القربان ، وخسف بسبعة أبواب من أبوابها ؛ فلما رأى ذلك إرميا صاح وشق ثيابه ، ونبذ الرماد على رأسه وقال : يا ملك السماوات والأرض بيدك ملكوت كل شيء وأنت أرحم الراحمين أين ميعادك الذي وعدتني ؟ فنودي إرميا : إنهم لم يصبهم الذي أصابهم إلا بفتياك التي أفتيت بها رسولنا ؛ فاستيقن النبي صلى الله عليه وسلم أنها فتياه التي أفتى بها ثلاث مرات ، وأنه رسول ربه . ثم إن إرميا طار حتى خالط الوحش ، ودخل بختنصر وجنوده بيت المقدس ، فوطئ الشام ، وقتل بني إسرائيل حتى أفناهم ، وخرب بيت المقدس ، أمر جنوده أن يملأكل رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس ، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه ، ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل ، واحتمل معه سبايا بني إسرائيل ، وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم ، فاجتمع عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل ، فاختار منهم سبعين ألف صبي ؛ فلما خرجت غنائم جنده ، وأراد أن يقسمها فيهم ، قالت له الملوك الذين كانوا معه : أيها الملك لك غنائمنا كلها ، واقسم بيننا هؤلاء الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل ، ففعل ، وأصاب كل رجل منهم أربعة أغلمة ، وكان من أولئك الغلمان دانيال وحنانيا وعزاريا وميشائيل وسبعة آلاف من أهل بيت داود ، وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب ، وأخيه بنيامين ، وثمانية آلاف من سبط أشر بن يعقوب ، وأربعة عشر ألفا من سبط زبالون بن يعقوب ونفثالي بن يعقوب ، وأربعة آلاف من سبط يهوذا بن يعقوب ، وأربعة آلاف من سبطروبيل ولاوي ابني يعقوب . ومن بقي من بني إسرائيل ، وجعلهم بختنصر ثلاث فرق ، فثلثا أقر بالشام ، وثلثا سبي ، وثلثا قتل ، وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل ، وذهب بالصبيان السبعين الألف حتى أقدمهم بابل ، فكانت هذه الوقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بإحداثهم وظلمهم . فلما ولى بختنصر عنهم راجعا إلى باب بمن معه من سبايا بني إسرائيل ، أقبل أرميا على حمار له معه عصير ثم ذكر قصته حين أماته الله مائة عام ، ثم بعثه ، ثم خبر رؤيا بختنصر وأمر دانيال ،